الشيخ محمد رشيد رضا
25
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كان اللّه تعالى متصفا بالعدل والرحمة جميعا طرأ عليه ( سبحانه وتعالى عن ذلك ) مشكل منذ عصى آدم . وهو انه إذا عاقبه هو وذريته كان ذلك منافيا لرحمته فلا يكون رحيما ! ! وإذا لم يعاقبه كان ذلك منافيا لعدله فلا يكون عادلا ! ! فكأنه منذ عصى آدم كان يفكر في وسيلة يجمع بها بين العدل والرحمة ! ! فلم يهتد إلى ذلك سبيلا الا منذ ألف وتسع مئة واثنتي عشرة سنة بالنسبة إلى سنتنا هذه ( سبحانه سبحانه ) وذلك بأن يحل ابنه تعالى الذي هو هو نفسه في بطن امرأة من ذرية آدم ويتحد بجنين في رحمها ويولد منها فيكون ولدها انسانا كاملا من حيث هو ابنها وإلها كاملا من حيث هو ابن اللّه - وابن اللّه هو اللّه - ويكون معصوما من جميع معاصي بني آدم ، ثم بعد ان يعيش زمنا معهم يأكل مما يأكلون منه ويشرب مما يشربون ، ويتلذذ كما يتلذذون ويتألم كما يتألمون ، يسخر أعداءه لقتله أفظع قتلة ، وهي قتلة الصلب التي لعن صاحبها في الكتاب الإلهي ، فيحتمل اللعن والصلب لأجل فداء البشر وخلاصهم من خطاياهم كما قال يوحنا في رسالته الأولى : وهو كفارة لخطايانا ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضا ( سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ) كنت مرة مارا بشارع محمد علي في القاهرة وانا قريب عهد بالهجرة إليها فرأيت رجلا واقفا على باب المدرسة الانكليزية فيه يدعو كل من مرامامه : تفضلوا تعالوا اسمعوا كلام اللّه . ولما خصني بالدعوة أجبت فدخلت فإذا بناس على مقاعد من الخشب في رحبة المدرسة ، فلما كثر الجمع قام أحد دعاة النصرانية فألقى نحو ما تقدم آنفا من العقيدة الصليبية . وبعد فراغه وحثه الناس على الاخذ بما قاله والايمان به ، ودعواه ان لاخلاص لهم بدونه ، قمت فقلت إذا كنتم قد دعوتمونا إلى هذا المكان لتبلغونا هذه الدعوة شفقة علينا ورحمة بنا ، فاذنوا لي ان أبين لكم موقعها من نفسي ، فاذن لي القس بالكلام فوقفت في موقف الخطابة وأوردت عليهم ما يترتب على هذه الدعوة من العقائد الباطلة والقضايا المتناقضة التي سأبينها هنا ، وطلبت الجواب عنها ، فكان الجواب ان هذا المكان خاص بالوعظ والكرازة دون الجدال ، فان كنت تريد الجدال والمناظرة فموضعهما المكتبة الانكليزية ، « تفسير النساء » « 4 السادس » « النساء ج 6 »